محمد محمد أبو موسى

70

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

العزم على الرحيل وأشار إلى أنه لا بد من عزيمة ماضية كالسيف : قرّب قلوصى للترحّل يا فتى * هذا القرار على الهوان إلى متى لا بدّ من إصلات سيف العزم لا * يفرى الطّلا الصّمصام إلا مصلتا إن سرت عن عرصات قومي لم أكن لأعيرهم من أخدعيّ تلفّتا « 45 » ولا يبعد أن نتصور أن الزمخشري كان محسودا من العلماء ، فقد كان أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه وأكثرهم اطلاعا على كتبها وبه ختم فضلاؤهم وكان يشعر بهذا وينوه به : ألم تر أنّى حيثما كنت كعبة * يحفّون بي كالطائفين طوايفا فشرقيّهم يهوى إلى النور قابسا * وغربيّهم يسعى إلى البحر غارفا « 46 » ولا يبعد أنهم كادوا له عند نظام الملك وغيره من الأمراء ، فحالوا بينه وبين نيل ما يراه أهلا له ، وقد هاجم العلماء في مقالته الثالثة والأربعين ، وذكر نفاقهم أمراء السوء ، وتسخيرهم علم الشريعة لخدمة هؤلاء الأمراء ، وشبههم بالأراقم اللاسعة ، وهذا التشبيه يوحى بصدق هذا الظن . وقد ذكر الزمخشري أنه مرض مرضا شديدا سماه الناهكة ، وأنه عاهد نفسه فيه ان شفى ألا يطأ عتبة سلطان ، وكأنه كان يشعر أن مدائحه للوزراء والأمراء وطلبه العطايا والمنائح ذنب يستغفر منه ، ومعصية تطلب منها التوبة . فبدأ حياة فيها قدر من القناعة والرضا ، ولعل ذلك راجع إلى تمكين اليأس منه ، وإلى أنه شارف الخمسين من عمره ، فانكسرت حدة طموح الشباب ، ولكنه لم يهدأ هدوءا كاملا ، بل كانت تعاوده ثورة نفسه ، وسخطه على مجتمعه حتى رأى الهجرة

--> ( 45 ) الديوان ورقة 13 . ( 46 ) الديوان ورقة 79 .